*إغلاق مضيق هرمز وخروج الإمارات من أوبك:*
*بين حرية الإنتاج وقيود الجغرافيا*
يشكّل مضيق هرمز أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، إذ تمر عبره نسبة تُقدّر بحوالي 20% من تجارة النفط العالمية. لذلك، فإن أي حديث عن إغلاقه لا يندرج ضمن سيناريو اقتصادي فقط، بل هو حدث جيوسياسي من الطراز الأول يعيد تشكيل موازين القوى وأسواق الطاقة في آن واحد.
في هذا السياق، يبرز سؤال مهم: تزامن إغلاق المضيق مع خروج الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك، هل يمنحها حرية كاملة في إنتاج النفط؟ هل تستطيع الاستفادة من هذه الحرية، أم أن الجغرافيا ستفرض قيودها؟
أولاً: مضيق هرمز كعنق زجاجة عالمي
يمثّل مضيق هرمز شريان الطاقة الرئيسي لدول الخليج، مثل السعودية والكويت والعراق وقطر والبحرين. تعتمد هذه الدول بشكل شبه كامل على مرور صادراتها النفطية عبر هذا الممر.
فإن إغلاق المضيق، حتى لو كان مؤقتاً، يؤدي إلى:
تعطيل مباشر للإمدادات العالمية
ارتفاع حاد في أسعار النفط
اضطراب في سلاسل التوريد العالمية
لكن الأهم هو أن هذا الإغلاق يكشف حقيقة أساسية: النفط ليس مجرد إنتاج، بل هو قدرة على الوصول إلى الأسواق.
ثانياً: خروج الإمارات من أوبك — حرية نظرية
يمنح الخروج من منظمة أوبك الدول الأعضاء سابقاً حرية تحديد مستويات إنتاجها دون الالتزام بحصص محددة، بالنسبة للإمارات، هذا يعني:
زيادة الإنتاج لتعظيم الإيرادات ورفع الحصة السوقية عالمياً، اضافة الى مرونة أكبر في السياسة النفطية...
لكن هذه الحرية تصطدم بعامل حاسم: البنية التحتية للتصدير.
ثالثاً: الاستثناء الإماراتي — منفذ الفجيرة
على عكس معظم دول الخليج، تمتلك الإمارات ميزة استراتيجية مهمة، وهي قدرتها الجزئية على تجاوز مضيق هرمز.
1ـ خط أنابيب حبشان–الفجيرة
يمتد هذا الخط من حقول النفط في أبوظبي إلى ساحل الفجيرة على بحر العرب، خارج نطاق المضيق. يسمح هذا الخط بنقل كميات كبيرة من النفط دون الحاجة لعبور هرمز.
2ـ ميناء الفجيرة
يُعد أحد أهم مراكز تخزين وتصدير النفط في المنطقة، ويقع مباشرة على خليج عُمان، ما يمنح الإمارات منفذاً بحرياً بديلاً.
رابعاً: حدود القدرة ـ نصف الحل فقط
رغم هذه الميزة، فإن القدرة الاستيعابية لخط الأنابيب وميناء الفجيرة تبقى محدودة مقارنة بإجمالي الإنتاج.
القدرة التصديرية عبر الفجيرة: نحو 1.5–1.8 مليون برميل يومياً
الإنتاج المحتمل للإمارات: قد يتجاوز 3–4 مليون برميل يومياً
وهذا يعني:
إمكانية تصدير حوالي نصف الإنتاج فقط في حال إغلاق المضيق
الحاجة إلى:
تخزين الفائض
أو خفض الإنتاج
هنا يظهر التناقض الجوهري:
الإمارات قد تكون حرة في الإنتاج، لكنها ليست حرة بالكامل في التصدير.
خامساً: التداعيات الاقتصادية
1ـ على الإمارات
استفادة جزئية من ارتفاع أسعار النفط
خسارة في الكميات غير القابلة للتصدير
ضغط على البنية التحتية للتخزين
2ـ على السوق العالمي
ارتفاع كبير في الأسعار بسبب نقص الإمدادات
استفادة منتجين خارج الخليج مثل روسيا والولايات المتحدة
زيادة التقلبات في الأسواق
سادساً: مقارنة مع بقية دول الخليج
السعودية تمتلك خط أنابيب شرق–غرب إلى البحر الأحمر، ما يمنحها مرونة جزئية
أما الكويت والعراق وقطر فتعتمد بشكل شبه كامل على المضيق
بالتالي، رغم القيود، تبقى الإمارات في وضع أفضل نسبيًا.
سابعاً: الخلاصة
يُظهر هذا السيناريو بوضوح أن:
الجغرافيا أقوى من السياسة في كثير من الأحيان
حرية الإنتاج (خارج أوبك) لا تساوي حرية التصدير
إغلاق مضيق هرمز يحوّل النفط من سلعة اقتصادية إلى أداة صراع جيوسياسي
في النهاية، قد تمتلك الإمارات هامش مناورة أكبر من جيرانها، لكنها تظل جزءًا من منظومة إقليمية شديدة الترابط، حيث لا يمكن لأي دولة أن تعزل نفسها بالكامل عن تأثيرات هذا الممر الحيوي.
*الباحث علي رضا ناصرالدين*


